|
بغداد - واشنطن - النور:
لم تعد الذاكرة العراقية تستغرب تحوّل "موزع بريد بدراجة هوائية" إلى شخصية إجرامية خطيرة مثل "علي كيمياوي"، فالمتغيّرات التي شهدتها حركة الحياة السياسية العراقية لأربعين سنة مضت، أرتْ الناس ما لم يروه، أو يسمعوا به في حقب مضت. وبحسب توصيف معهد الحرب والسلام في واشنطن، فإن علي حسن المجيد "رجل لم يقم بأي عمل فضيل" وكل رأسماله وهو يحكم الى جانب صدام القسوة
و"عدم الرحمة". لقد اتهمه القاضي –أثناء إحدى جلسات محاكمته الطويلة- بقتل 150 ألف كردي في حلبجة التي اعترف بإعطائه الأوامر بقصفها بالسلاح الكيمياوي، فانتفض مصححاً: ((لا إنهم 100 ألف فقط))!. هذه القضية الغريبة انتهت بإعدام ابن عم صدام في ظروف وصفها السفير الأميركي في بغداد بأنها "لحظة حاسمة في تاريخ العراق"، إذ مازال "البعث" طبقاً لقول السفير قادراً على تسميم المناخ السياسي، فيما يصر منتقدو الحكومة على أنّ المالكي حاول "الاستفادة الانتخابية" حتى من إعدام المجيد، بعد أن استفاد من إعدام صدام بتثبيت سلطته. ويقول هؤلاء المنتقدون إن تصنيف أحد المواطنين بتهمة "البعث" ليست إلا محاولة "تهديد مبطن" لنبذ السُنّة من السلطة، ويؤكدون أن إيران –من وراء الأستار- تحرّك هذه القضية، لكن المجتمع في النهاية هو الخاسر من أية "نزاعات سياسية" تتحوّل الى "نزاعات طائفية" مسيّسة!. وإذا فكر العالم أنّ الأمر كان سهلاً بالنسبة للمحكمة العراقية العليا بإصدار حكم آخر بالموت على صاحب رأسمال العقوبات الخاسر علي كيمياوي، فقد كانت القصة مختلفة جداً في المدينة الكردية "حلبجة".ويقول شارلس ماكدريماد مراسل معهد الحرب والسلام: إنّ كل فرد من معظم سكان هذه المدينة الصغيرة الهادئة المنطوية على ناسها الفقراء عند الحدود العراقية–الإيرانية قد فقد أحد أحبائه، أو بعضهم، أو "جميعهم" من بين 5500 محاصرين قتلوا بالغاز السام في 16 آذار 1988 وهو اليوم الذي أعطى العدواني وناقل البريد السابق بالدراجة الهوائية من تكريت المسمى علي حسن المجيد، الأمر لضرب المدينة، وهذا هو الذي جعله حتى بعد شنقه، مقروناً بلقب"الكيمياوي".
وبدلا من ذلك –يضيف ماكدريماد- فان ما عكر صفو المدينة والمدعين فيها هو أن الشخص البعثي القوي السابق الذي يتهرب من تهمة الإبادة الجماعية، يبدو أنه يحتفظ بقيمة معينة في إرباك حسابات السياسات العراقية. والأسوأ أن محكامته والآن إعدامه قد يستغل من الآخرين لكسب الأصوات في الانتخابات العراقية الحاسمة القادمة. وتتقاذف بغداد في هذه اللحظة مشاعر مشحونة بالغضب ضد البعثيين، فجرتها عملية منع نحو 511 مرشحا من خوض الانتخابات البرلمانية التي طال انتظارها في السابع من آذار، والتي يعتقد أنها تهدد بتقويض مصداقية الانتخابات.
ولمواجهة اعادة انتخابه -حسب تقرير معهد الحرب والسلام- فقد تودد المتحضر للمعركة رئيس الوزراء نوري المالكي الى الأغلبية الشيعية العراقية ويقول البعض بأنه أذكى غضبا طويل الأمد بسبب السيطرة القاسية طويلة الأمد لحزب البعث الذي يسيطر عليه السنة والذي اخضع الطائفة الشيعية والمجموعات العراقية الأخرى لاكثر من ثلاثة عقود،. وهي الفترة التي استمر فيها في السلطة. ويقول المنتقدون بان تصنيف أحدهم بتهمة"بعثي" ليست إلا محاولة تهديد مبطن ضعيفة لنبذ السنة من السلطة. وحينما مات اكثر من مائة شخص في شهر آب في انفجار سيارات مفخخة في وزارتي الخارجية والمالية، ألقت بغداد بسرعة المسؤولية على البعثيين الناشطين، واتهمتهم بالتآمر على الحكومة ذات الأغلبية الشيعية.والخوف من أن الإقصاء السياسي سيلغي الانتخابات ويعوق خطط انسحاب القوات الأميركية في وقت لاحق من السنة الحالية جعل واشنطن تزحف .. واستنادا الى التقارير فان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن تباحث مع مسؤولين عراقيين كبار حول مقترح تأجيل قائمة الممنوعين والسماح لكل العراقيين بالاشتراك في الانتخابات، وهو القرار الذي خرجت به هيئة التمييز، وأثارت به "زوبعة غضب" في الأوساط الشيعية، وصفها محللون سياسيون بأنها "مسيّسة"، أي أن الأحزاب الشيعية هي التي حركتها، وخاصة تلك القريبة الى إيران. ويوم الأربعاء الماضي قال السفير الأميركي كريستوفر هيل في حديث له بأربيل إن الأحداث قد وصلت الى ((... لحظة حساسة جدا في العراق)). وأكد هيل قوله: ((إنها وجهة نظري بان البعث في العراق قد مات، ولكن سمومه مستمرة في التأثير، وبإصابة المناخ السياسي الحالي، والأمر المهم جدا هو عدم السماح باستعمال المعاداة للبعثيين لأغراض سياسية)). وعلى هذه الخلفية جاء الحكم الرابع بالإعدام لعلي حسن المجيد ذي السمعة الأكثر سوءاً، والمعروف جيدا من البعثيين السابقين، وهو الرجل الذي يترادف اسمه مع أسوأ السيئات لعهد صدام. والان بعد النهاية المفاجئة للمحاكمة التي كانت غالبا معطلة لمدة سنتين، قرر المالكي أخيرا اعدام المجيد قبل الانتخابات. وقد اعد المسرح لإعدام اكثر حضورا منذ اعدام صدام حسين في سنة 2006 . واستنادا الى التقارير الإخبارية في هذا الوقت، فان اعدام صدام السريع قد عزز سلطة المالكي الهشة بين مؤيديه الشيعة العنيدين ولكنه اغضب الكثير من السنة. وقال هاشم حسن أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد: ((لم تكن هناك أية فرصة لأن يكون هذا الحكم عفوياً في ظروف توقيته، وليس هناك عفوية في السياسات العراقية، ولكن تحرك تأثيراته واسبابه ونتائجه، وليس هناك شك بان الكتلة السياسية المهيمنة سوف تستفيد من هذا الحكم في هذا الوقت، والسؤال هو بأي قدر؟)). يقول شارلس ماكدريماد: ولد علي حسن المجيد في تكريت سنة 1941 وكان من عشيرة البيجات في قبيلة البو ناصر، وكانت طفولته مثل صدام كما أفيد مطبوعة بالفقر والشراسة وقلة التعليم. وبدأ كمدير أمني لحزب البعث في السبعينيات، وخلال هذا الوقت استنادا الى الصحافي باتريك كوكبرن: ((فان قسوته الواضحة جعلته مفيدا في أعمال تعتبر الصرامة والقسوة وعدم الرحمة رأسمالها الأكبر)). ولم يكن المجيد عاجزا في العمل، وفي العديد من مواقعه في ظل صدام، والذي استلم السلطة في سنة 1979، كان مديرا للأمن ووزير الداخلية وحاكماً للكويت أثناء الاحتلال العراقي القصير بعد غزوها سنة 1991. ومن وجهة نظر العلاقات العامة، فان المجيد لم يقم بأي عمل فضيل. وقد استعمل البلدوزر في إحدى المرات لدفن عوائل المتمردين، وحينما ضغط عليه لقتله 180 ألف كردي، انتفض وصحح العدد بـ 100 ألف فقط!!.وأصبح المجيد معروفا بأنه المنفذ داخل دائرة صدام وحتى العائلة. وبكلمات كوكبرن، فإن علي كيمياوي مصاب ((بمرض السكري، وهو ذو وجه تهديدي قاس وبشارب غير منتظم، وكان يعاني من ضغط إفراط الدم والتلوث الفقري)). واستحق المجيد أول أحكامه بالإعدام بسبب جريمة الإبادة الجماعية في حملة الأنفال ضد الأكراد في الثمانينيات، وبعد أن سيطرت قوات البيشمركة الكردية على كركوك في التمرد في 1991، فان التسجيلات التي تم العثور عليها عن اجتماعات المجيد لم تترك أية أسئلة حول إدانته. وفي أحد الأشرطة قال متفاخرا: ((سوف اقتلهم كلهم بالسلاح الكيمياوي، من الذي سيقول أي شيء؟ واللعنة على المجتمع الدولي وهؤلاء الذين ينصتون لهم)). واتهم المجيد بجرائم ضد الإنسانية وحكم بالموت للمرة الثانية بسبب المذابح للمدنيين الشيعة في سنة 1991. وحصل على اتهام ثان بجرائم ضد الإنسانية والحكم الثالث بالموت بسبب الإجراءات الصارمة الوحشية ضد المحتجين الشيعة في بغداد والنجف في 1999.وكان المجيد في السجن منذ أن ألقت القوات الأميركية القبض عليه بعد وقت قصير من الغزو قي سنة 2003. وقد تأجل إعدامه عن الاتهامات الأولية، بسبب الحكم على وزير الدفاع السني السابق سلطان هاشم بالإعدام معه في قضية الأنفال. والأخير من الذين يحظون بالشعبية في الأوساط السُنّية. وقد رفض نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي والرئيس جلال طالباني التوقيع على تنفيذ حكم الإعدام على سلطان هاشم. وكانت القضية التي استحق عليها الحكم الرابع بالإعدام بسبب الهجوم بالغاز السام على حلبجة والتي يعتقد بأنه الاستعمال الأكثر تدميرا للأسلحة الكيماوية التي استخدمت في اي وقت ضد المدنيين.
وكان المجيد قد أمر بإطلاق هذا السلاح على المدينة وتسبب بقتل 5500 شخص معظمهم من النساء والأطفال. وافاد تقرير لتحقيق أجرته منظمة العفو الدولية إنّ: ((إن جثث الضحايا من البشر والحيوانات افترشت الشوارع، وفي مداخل أبواب البيوت، وسقط منهم من سقط على على إطارات سياراتهم وعثر على الناجين في الجوار يضحكون بشكل هستيري قبل أن يتداعوا ... وهؤلاء الذين تعرضوا مباشرة للغاز بدت عليهم علامات الإيذاء الكامل. ومات العديد من الأطفال على طول الطريق وتم التخلي عنهم حيث سقطوا)).
ويتابع مراسل معهد الحرب والسلام حديثه في تقريره الخاص عن حلبجة قائلاً: كان براك حمه صديق في حلبجة أثناء الهجوم بالغاز..فقد 23 قريبا في ذلك اليوم. وهو يدير اليوم مكتبا قانونيا صغيرا في بازار السليمانية. وللسنتين الماضيتين كان وكيل المدعين في قضية حلبجة ضد المجيد وثلاثة مدعى عليهم آخرين. وضمن حسابات صديق، فقد انعقدت 35 جلسة منذ أن بدأت المحاكمة في سنة 2008. وعرضت المئات من الوثائق وعشرات الشهود، وتم الإنصات لهم ومنهم صحفيون أجانب دعوا الى الشهادة. وفي لقاء معه عبر صديق عن الثقة في قضية أعطيت الوقت القانوني الكافي، وقال: ((كل ما كنا ننتظره هو سماع الحكم ، ولكن لسوء الحظ تم تغيير رئيس المحكمة، والذي ذكر بان ليس هناك دليل على تدخل سياسي. واعلان القاضي الجديد لم يوضح ، ولكن المحكمة خطت بشكل سريع ، وفي جلسته الأولى أعلن القاضي الجديد بان الحكم سيعلن في اليوم نفسه. وكان فريق الادعاء برئاسة كوران ادهم قد طلب عقوبة الموت ضد المجيد، ولكن الأكثر أهمية، أن تهمة الإبادة الجماعية ستسهل القضية المدنية لتعويض الضحايا الأحياء وعوائل الضحايا القتلى في حلبجة)).ويقول محلل سياسي عراقي: ((الموت على علي حسن المجيد حول قضية حلبجة، سوف يستعمل من رئيس الوزراء المالكي في حملته الانتخابية، وسوف يقول المالكي للشارع العراقي بأنه هو الذي نفذ حكم الإعدام بصدام حسين وبانه مستمر بتنفيذ اجراءات صارمة ضد مساعدي صدام البعثيين السابقين)).
|